الجمهورية العربية السورية

نقابة المهندسين الزراعيين

تجربة التورب في مطحنة طرطوس.. كيف نجحت وما آفاق تطبيقها؟ تجربة التورب في مطحنة طرطوس.. كيف نجحت وما آفاق تطبيقها؟

 أقدم أحد المهندسين في مطحنة طرطوس على القيام بتجربة حول من خلالها بقايا تنظيف الأقماح إلى مواد قابلة للزراعة والتسميد وحقق نجاحاً كاملاً في نهاية التجربة ولم يبق أمام الجهات المعنية سوى تبني التجربة وتطبيقها في ضوء جدواها الاقتصادية.

في مادتنا لهذا اليوم نتناول هذه التجربة من بدايتها لنهايتها، ونختم بمتطلبات تطبيقها على أرض الواقع..‏‏

بداية نشير إلى أن بقايا تنظيف الأقماح عبارة عن غبار وقش وبقايا السنابل.. وهذه البقايا عادة ما يتم رميها والتخلص منها بطرق مختلفة وبطرق عشوائية ما يجعلها مرتعاً للحشرات إضافة للروائح الكريهة التي تصدر عنها بعد فترة نتيجة تعفنها.. كما أن الغازات التي تصدر من هذه التعفنات غالباً ما تكون سامة، وفِي حال حرق هذه المواد فإنها ستؤدي لتلوث بيئي نتيجة الدخان المتصاعد إضافة لإمكانية تلويثها للمياه الجوفية.‏‏

ما تقدم وغيره شكل دافعاً للمهندس حسان صالح لإجراء تجربته حيث تقدم في بداية عام 2017 باقتراح لتجميع هذه النفايات والاستفادة منها للمدير العام لشركة المطاحن (مهند شاهين) فطلب إليه رفع الموضوع بشكل بحث علمي ودراسة جدواه الاقتصادية وبالفعل تم إعداد البحث ورفعه للمدير العام الذي تبنى الموضوع وأمن الرعاية له من السيد وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك (عبدالله الغربي) لإجراء التجارب الخاصة.‏‏

لجنة تنفيذ عملية‏‏

وقد أصدر وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك القرار الوزاري رقم/1517/ تاريخ12/7/2017 المتضمن تشكيل لجنة من الشركة العامة للمطاحن والشركة العامة لصوامع الحبوب والمؤسسة العامة لتجارة وتصنيع الحبوب ضمت كلاً من:(المهندس دانيال بكور مدير الانتاج في الشركة العامة للمطاحن (رئيساً) - مدير مطحنة طرطوس (عضواً)-المهندس حسان صالح (صاحب البحث ) المهندس علي غانم (عضواً)-المهندس وائل نده (عضواً) - المهندس علي عيسى (عضواً) - المهندسة صفاء محمد (عضواً)‏‏

مهمتها: تنفيذ تجربة عملية على البحث العلمي المعد من قبل المهندس حسان صالح في مطحنة طرطوس حول مشروع إنتاج التورب والسماد العضوي (كمبوست) وإعداد تقرير فني بالنتائج العلمية والعملية تتضمن الجدوى الاقتصادية من المشروع ورفع النتائج مع المقترحات.‏‏

ويقول المهندس صالح لـ (الثورة): قامت التجربة على تجميع هذه المواد في منطقة التجربة وتخميرها بالتطعيم البكتيري وبعض المعاملات الخاصة واستمر العمل لفترة أربعة أشهر قسمت لمرحلتين:‏‏

المرحلة الأولى: واستمرت حوالي خمسة وأربعين يوماً وكانت نسبة المادة العضوية أقل من 20% ونسبة NPK متدنية وهي تربة مناسبة للإنبات في المشاتل وكانت النتائج رائعة وفاقت في إنباتها الترب المستوردة (البتموس).‏‏

المرحلة الثانية: تمت متابعة التخمير والترطيب والتطعيم البكتيري لمدة خمسة وأربعين يوماً تالية وفي تلك الفترة تمت مضاعفة كمية البكتيريا المضافة والمحاليل المغذية لها حسب نوعها (محاليل سكرية ومحاليل آزوتية) كما تم تعديل PH من الوسط القلوي الى الوسط المتعادل ليتوافق مع الأرقام والمقاييس العلمية المطلوبة وكانت الفحوص المخبرية الدورية تثبت صوابية العمل وفي نهاية هذه المرحلة تمت تغطية التورب الناتج وترطيبه واضافة بعض مواد التعقيم الآمنة كيميائياً وتم الكمر لفترة شهر آخر.‏‏

وأثناء ذلك ارتفعت درجة حرارة باطن مكمورة الترب حتى 80 درجة مئوية وهي حرارة كافية باستمراريتها لفترة شهر للقضاء على العوامل الممرضة وبذور الأعشاب بحال تواجدها.. بعد ذلك تم تحليل التورب الناتج حيث بلغت نسبة المادة العضوية حوالي 35% ونسبة الآزوت 1% والفوسفور 1% والبوتاس 1% وهي نسب قياسية عالمياً، وتم في هذه الفترة إجراء تجارب على نباتات الزراعة المحمية والخضار المزروعة في الأراضي العادية وعلى الأشجار المثمرة وعلى نباتات الزينة وجميع النتائج كانت جيدة جداً.‏‏

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة طحن المنتج وتعبئته وهي مرحلة معلقة حتى الآن لعدم وجود آلة الطحن اللازمة لذلك وننتظر الموافقات المطلوبة لذلك.‏‏

أهمية إنتاج التورب‏‏

وعن دوافع إنتاج التورب وضروراته يقول المهندس صالح: نختصر هذه الدوافع بعجالة وهي أن كمية نواتج غربلة وتنظيف الأقماح كبيرة ولا يستهان بها إضافة لإمكانية استخدام بقايا بعض المواسم الأخرى كبقايا مواسم القطن والشوندر وبقايا تفريد الأشجار وتبن البقوليات تشكل بمجموعها مئات آلاف الأطنان وقد تبلغ حوالي مليون طن سنوياً عادة ما يتم التخلص منها بطرق الحرق وهذا من مسببات الضباب الدخاني الذي نراه حول التجمعات السكنية الأخرى بالإضافة للتأثير السيئ لمحارق القمامة (والتي يمكن تخميرها وتحويلها لتورب) إضافة للتلوث الحاصل من المصانع وعوادم السيارات.. وكل المسببات السابقة تطلق أكاسيد الآزوت وأكاسيد الكبريت وأكاسيد الكربون والتي تبقى في الجو لتشكل المطر الحامضي والذي يدمر التربة ويحرر العناصر السامة فيها والتي تكون بحالة مرتبطة وخاصة عنصر الألمنيوم والرصاص والمعروفين بتأثيرهم السيئ على الصحة العامة عن طريق انتقاله من النبات للإنسان أو من تلوث المياه الجوفية إضافة للتأثير السيئ لحمض الآزوت وحمض الكبريت المتشكلين من المطر الحامضي على الصحة العامة وخاصة على الجهاز التنفسي للإنسان والحيوان وعلى الثروة البحرية.‏‏

الندى الحامضي‏‏

ويتابع المهندس صالح: ولكن الأخطر من ذلك كله والذي لم يتم الحديث عنه حتى الآن هو (الندى الحامضي) والذي ظهر تأثيره السيئ في المناطق التي يكثر فيها الندى خاصة في المناطق الساحلية والذي أدى لحروق في أوراق الأشجار المثمرة وخاصة أشجار الكرمة والتين حيث حرم هذه الأشجار من التركيب الضوئي إضافة للتأثير السيئ على ثمار الزيتون حيث أدى لتخريب صانعات الزيت في ثمار الزيتون وزاد الوسط الحامضي من فرص زيادة أمراض العفن والفطريات أما في المناطق الداخلية كحمص وحماة فلم يلحق الضرر بمواسم هذه الأشجار لقلة الندى من كل ذلك أصبح الاتجاه إلى إعادة الاستفادة من متبقيات المحاصيل بطريقة التخمير أمراً ضرورياً لسببين:‏‏

الأول: منع استخدام الحرائق للتخلص من هذه المتبقيات حفاظاً على البيئة ومنعاً من انطلاق الغازات السامة المذكورة.‏‏

الثاني: استصلاح التربة المنهكة والمخربة بسبب المطر الحامضي بإضافة التورب لإعادة البيئة البكتيرية النشيطة للتربة.‏‏

إضافة لإمكانية استصلاح الأراضي الصحراوية الملحية بإضافة التورب بنسب مدروسة والتي تحول الصحارى إلى واحات خضراء في سنوات

قليلة.‏‏

الثورة