الجمهورية العربية السورية

نقابة المهندسين الزراعيين

أقطان الحسكة التهمتـها آفة (ديدان اللوز) «وقايـة النبـات»: الإصابة تحـت السـيطرة.. و«الشـؤون الزراعـية» تؤكد أنـها اسـتفحلت أقطان الحسكة التهمتـها آفة (ديدان اللوز) «وقايـة النبـات»: الإصابة تحـت السـيطرة.. و«الشـؤون الزراعـية» تؤكد أنـها اسـتفحلت

 يتحدث الفلاح بشير بحرقة كأب اعتنى بابنه المريض واهتم به لآخر لحظة مثل عينيه، فقد روى أرضه بعرق جبينه آملاً إنتاجاً وفيراً، لا يخفى على أحد حجم المعاناة والعذاب الذي يتكبده المزارعون في جني محاصيلهم وهول المفاجأة كبير وموجع عندما يضرب موسم من المواسم كالقطن، الموسم الذي تنتظره أسرة كاملة بفارغ الصبر لتأمين حاجاتها وتسديد ديونها، لكن هذه المرة ليست الحرب والتهجير هما السبب، إنها (ديدان اللوز) هذه الجائحة التي قضت على موسم القطن والوضع ينسحب على أغلبية الحقول في المنطقة حسب أصحاب التجربة المريرة بينما تؤكد الجهات المعنية أن الإصابات دون العتبة الاقتصادية ولا تتجاوز نسبتها الـ 8%، وفي التفاصيل:

عندما عاود رئيس مكتب الشؤون الزراعية في اتحاد فلاحي الحسكة حسين الهلوش الاتصال بنا، اعتقدنا أنه يريد تزويدنا بنسخة عن المذكرة التي رفعها اتحاد فلاحي المحافظة إلى مديرية الزراعة في الحسكة وإلى الاتحاد العام للفلاحين في دمشق عن إصابة محصول القطن بديدان اللوز، ولاسيما أننا اتفقنا على ذلك في اتصالنا الأول، لكنه أخبرنا أن فلاحاً يدعى بشير شحادة بوزي من قرية مشيرفة المشراق التابعة لناحية الدرباسية شمال غرب الحسكة، موجود عنده للمراجعة بشأن فلاحي، وهو يقول -أي الفلاح بشير- إن ديدان اللوز أتت على حقل القطن العائد له عن بكرة أبيه، وأن الوضع ينسحب على أغلب إن لم يكن كل حقول القطن في المنطقة. أي إن نسبة الإصابة في حقله على الأقل هي 100%، حسب كلامه.

مفاجأة لدرجة الصدمة
كلام الفلاح بشير فاجأنا جداً لدرجة الصدمة، وذلك لأنه يتناقض كلياً مع المعلومات التي زودتنا بها دائرة وقاية النبات في مديرية الزراعة عن وضع إصابة القطن بديدان اللوز، إذ أكد رئيس الدائرة المهندس طلال الحيجي في اتصال هاتفي معه أن الإصابات مازالت (دون العتبة الاقتصادية)، وعندما قلنا له إن الفلاحين يقولون غير ذلك وهم يتحدثون عن انتشار الإصابات بشكل مستفحل، رد بأن الفلاحين يبالغون. وقد عبر رئيس مكتب الشؤون الزراعية في اتحاد فلاحي الحسكة حسين الهلوش عن خشيته من أن تبقى الجهات المعنية تردد أن حجم الإصابة بديدان اللوز مازال دون العتبة الاقتصادية حتى نفقد العتبة والبيت معاً.
وفي اعتقادنا هذه مشكلة في حد ذاتها، وهي أن الجهات المعنية لا تدرك- ليس لا تعرف- حجم الإصابات بديدان اللوز في حقول القطن في المحافظة، حيث يصل الأمر إلى حد الكارثة.
صحيح أن الفلاح بشير هو فلاح واحد من بين آلاف الفلاحين من مزارعي القطن في المحافظة، لكن كلامه مؤشر واضح ودليل قاطع لا يمكن تجاهله عن وضع الإصابات في حقول القطن. وخاصة أننا أثناء إعداد هذا التحقيق الصحفي استطلعنا آراء العديد من الفلاحين وكلهم أجمعوا على أن حجم الإصابات بديدان اللوز في حقول القطن في محافظة الحسكة هذا الموسم كبير.
دليل آخر حصلنا عليه، وهو قبل أن يكون دليلاً على كبر حجم الإصابات بديدان اللوز في حقول القطن هو دليل على التناقض بين دوائر المؤسسة الواحدة. فكلام دائرة الشؤون الزراعية عكس كلام دائرة وقاية النبات وكلا الدائرتين تتبعان لمؤسسة واحدة هي مديرية الزراعة. فقد أبلغنا رئيس دائرة الشؤون الزراعية المهندس رجب السلامة أن حجم الإصابات بديدان اللوز كبير يصل في بعض المناطق إلى 8% وتتركز الإصابات المرتفعة في منطقتي رأس العين وأبو راسين شمال غرب المحافظة وهما منطقتان قريبتان من المنطقة التي يعيش فيها الفلاح بشير شحادة بوزي وهي ريف ناحية الدرباسية التي تتبع إدارياً وجغرافياً لمنطقة رأس العين ذات الإصابة المرتفعة. وقال المهندس السلامة: إن الإصابات آخذة بالازدياد، وتتراوح نسبة الإصابة في بقية المناطق بين 2 و5%.
وقبل أن نستطرد بالحديث عن هذا الموضوع، ثمة عشرات الأسئلة تدور في الذهن، فما ديدان اللوز؟ وما خطورتها على المحصولات الزراعية وخاصة محصول القطن؟ وما أسباب انتشارها في الحقول؟ وكم مرة أصيب بها محصول القطن في الحسكة خلال المواسم السابقة؟ وكيف تمت معالجة المشكلة؟ وما نتائج المعالجة؟. وصولاً إلى الوضع في الموسم الحالي: ما حجم الإصابة بدقة، وما الأسباب التي أدت إليها؟ وما تأثيرها في الإنتاج؟ وما الإجراءات التي تم اتخاذها لمعالجة المشكلة؟ وما نتائجها؟. إلى ما هنالك من الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها في سياق هذا التحقيق.
ضربتان على الرأس
بدأ الفلاح ابراهيم العلي حديثه معنا بالقول: ضربتان على الرأس تؤلمان جداً. وذلك لأننا مـُنـيـنـا بموسم حبوب سيئ وخاصة القمح، وهذه كانت الضربة الأولى التي تلقيناها على رؤوسنا. وهانحن اليوم نمنى بموسم قطن أسوأ، وكانت هذه الضربة الثانية التي تلقيناها خلال عام واحد. والحمد لله على كل حال.
وانتقلنا إلى حقل آخر، وهناك استقبلنا المزارع أبو جورج، قال: عندما لاحظنا ظهور الديدان في حقولنا، لم يكن أمامنا من بد إلا الاعتماد على أنفسنا، والمبادرة إلى رش أقطاننا بالمبيدات الموجودة في الأسواق، وليتنا لم نفعل، لأننا علاوة على أننا لم نستفد شيئاً من المكافحة، ظهرت آفات أخرى في حقولنا كالذبابة البيضاء، فازداد الطين بلة.
الفلاحة عمشة لم توفر وسيلة في مكافحتها الديدان بما في ذلك المازوت ولكن من دون جدوى.
حقل استثنائي!
وحده الفلاح أحمد عبد الرحمن كان يضحك وهو يتحدث إلينا، وذلك لأن حقله نجا من هذه الكارثة، وكان واحداً من الحقول القليلة التي لم تظهر فيها الديدان. وذلك لأن حقله بعيد عن بقية الحقول ومحوط بأرض بور من جميع الجهات.
وأكد جميع الفلاحين والمزارعين الذين التقيناهم، أن الخيار الوحيد المتاح أمامهم الآن، هو تضمين حقولهم، لأصحاب الأغنام، لعلـّهم يعوضون جزءاً من خسائرهم. كما أن الكثير من الفلاحين تركوا حقولهم ولم يتابعوا تقديم الخدمات اللازمة لها، نتيجة للأضرار الكبيرة التي مـُنـيـت بها تلك الحقول، من جراء الإصابة بديدان اللوز الشوكية.
ونستشف من أقوال الفلاحين والمزارعين أن الهجمة التي تعرض لها محصول القطن في المحافظة خلال الموسم الحالي كانت كبيرة جداً. إذ إن حقول القطن في المحافظة تصاب سنوياً بديدان اللوز، لكن هذا الموسم كانت الإصابة استثنائية وهي شبيهة بما حدث في موسم 2010.
البامية والقطن لا يجتمعان
ربما كان قيام الفلاح سلمان العلوان بزراعة خط من البامية بجوار حقل القطن كما أخبرنا، من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بحق نفسه. وذلك لأن البامية تعد من أهم العوائل النباتية الأساسية لدودة اللوز الشوكية، حيث تتغذى اليرقات على القمم النامية لساق البامية، وعلى القمم الزهرية فتجف وتموت، كما تثقب ثمارها وتخترقها وتتغذى على محتوياتها مسببة تلفها. ولهذا من الضروري جداً زراعة البامية بعيداً عن القطن، وتنقية ثمار البامية وجمعها والتخلص منها.
ويبلغ طول اليرقة من 15-20مم عند تمام النمو، ولونها بني أو رمادي وعليها بقع فاتحة، ونتوءات لحمية على طول الجسم يخرج منها شعرة أو شوكة. وتتغذى اليرقات على الأزهار والبراعم الزهرية، كما تقول إحدى الدراسات إن آفات القطن تتغذى اليرقات على القمة النامية وتحفر في الساق مسببة ذبولها وموتها، وتأكل اليرقة البراعم وتؤدى إلى سقوط الوسواس أو ثقب اللوز الصغير السن، حيث تتغذى اليرقة على الشعر الرخو والبذور، ويكون الثقب مفتوحاً وغير منتظم لوجود الأشواك على جسم اليرقة، بينما يكون الثقب منتظماً في حالة الإصابة بديدان اللوز القرنفلية. وقد تحدث الإصابة لأحد المصاريع وليس كلها ما قد يتسبب بتلف جزء من اللوزة فقط، ويعرف ذلك بالمبرومة أو السكارتو حيث تنمو الأعفان داخل اللوزة محدثة عفناً أسود بداخلها.
من أخطر الآفات
أما رئيس دائرة وقاية النبات في مديرية الزراعة المهندس طلال الحيجي قال في الإجابة الخطية التي زودنا بها: إن دودة اللوز عبارة عن حشرة تصيب المحصولات الصيفية والخضر والأعشاب وخاصة القطن، ولها عدة أنواع منها دودة اللوز الأميركية التي تصيب جميع أجزاء النبات، حيث تظهر ثقوب على سطح الورقة نتيجة تغذية اليرقات عليها، وتصيب القطن والبندورة والباذنجان، وتظهر الإصابة في نيسان وأيار وتمر بخمسة أطوار، وتتعذر بالتربة ولها 3- 4 أجيال في العام. وتعد ديدان اللوز الشوكية من أخطر الأنواع التي تصيب القطن حيث تظهر أول الموسم على القمم النامية (النابورات) فتسبب جفافها ثم تنتقل إلى الجوز عند تكونه وتتلف محتوياته ويظهر بعدها العفن الأسود عند إصابته بهذه الحشرة وتظهر الإصابة في أيار. وثمة ديدان اللوز القرنفلية التي تعد من حشرات القطن المهمة التي تنتشر في المناطق الرطبة وتنتقل بوساطة البذور غير المعقمة. وتقضي بياتها الشتوي على حالة يرقة داخل البذور وتمر بأربعة أطوار وتتعذر بالتربة أو بين الأوراق الجافة وتمر بــ 5- 6 أجيال في العام.
ويؤكد المهندس الحيجي أن ديدان اللوز تعد من أخطر الآفات التي تصيب القطن فتؤدي إلى ضرر كبير بالمحصول حيث ينقص الإنتاج. ولدى تجاوز الإصابة العتبة الاقتصادية (من 8 ــ 10%) تحتاج معالجة كيميائية ولغاية تفتح الجوز بنسبة 10% بعدها تُستخدم المكافحة الحيوية حتى نهاية الموسم إن وجدت المتطفلات الحيوية مثل التريكو غراما والهابرو براكون.
ويـُبـيـّن أن دودة اللوز تنتشر في أغلب مناطق المحافظة، وهذا العام كانت النسب متفاوتة وتختلف من منطقة إلى أخرى، وتطورت من 6- 8% في بئر الحلو الوردية (تل براك) حتى وصلت إلى 9% في منطقتي أبو راسين ورأس العين. وهنا من الواضح أن المهندس الحيجي عدّل نسب الإصابة في إجابته الخطية عن التي ذكرها لنا عبر الهاتف.
وأوضح الحيجي أن مديرية الزراعة قامت بتوجيه المنتجين عن طريق الوحدات الإرشادية والدوائر الزراعية بضرورة مراقبة الحقول المصابة والنسب من واقع الحقول إلى جانب تطبيق الحزمة الوقائية لمحصول القطن وفق تعليمات مؤتمر القطن الــ 38 لعام 2011 الخاص بالإدارة المتكاملة لآفات القطن.
هذا هو السبب
مدير الزراعة المهندس عامر حسن أكد أن استخدام البذار المهربة مجهولة المصدر في زراعة القطن هو السبب الأساس بإصابة المحصول بديدان اللوز. فقد أدى تراجع زراعة القطن في المحافظة من جملة ما أدى إلى توقف محالج المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان عن العمل الأمر الذي أدى إلى ازدياد الأعباء على المؤسسة من جهة وعدم توفير البذار المعتمد وهو صنف حلب 90 من جهة ثانية. وتالياً توجه المنتجين لاعتماد أصناف أخرى وخصوصاً التركية أو اعتماد بذار قديمة لا تتصف بقدرة إنباتية عالية وغير مضمونة المواصفات نتيجة لحدوث عمليات خلط وراثي.
ويوضح المهندس حسن أن البذور المهربة تعد مشكلة خطيرة تواجه الصنف المعتمد في المحافظة بقدر ما تواجه زراعة القطن بشكل عام وذلك لأن البذور المهربة مجهولة المصدر والهوية وغير خاضعة للاختبارات التي تتم على البذور التي تنتجها الجهات المعنية عدا عن أن البذور المهربة تشكل مصدراً أساسياً لديدان اللوز والأمراض الفطرية وهذا الأمر مثبت على أرض الواقع علاوة على أنها على الأغلب خليط من أصناف ومراحل متقدمة ما يجعلها منخفضة المردود وذات مواصفات سيئة للمنتج.
ولكي ندرك مدى خطورة البذار المهرب على الصنف المعتمد بالزراعة يوضح المهندس حسن أن إنتاج صنف حلب 90 احتاج إلى جهود كبيرة بذلها مهندسون وفنيون على مدى سنوات طويلة صُرفت خلالها أموال طائلة على التجارب والاختبارات قبل وضع الصنف بالتداول. وصنف بذار حلب 90 المستخدم في محافظة الحسكة تم اعتماده بناء على مقررات مؤتمر القطن الــ 28 عام 1997 وتمت زراعة مرحلة الأساس في قرية واحدة وبمعزل عن حقول القطن الأخرى لتجنب الخلط مع الصنف حلب 40 بغية المحافظة على النقاوة الصنفية وتم تعميمه صنفاً وحيداً في المحافظة منذ عام 2001.
ومن خلال زراعة هذا الصنف تبين أنه غزير الحمل وذو عائد اقتصادي مرتفع (7% أكثر من الصنف حلب 40) حيث تصل إنتاجيته إلى 4300 كغ/هكتار. ومتحمل للظروف الجوية القاسية (موجات الحر الشديد) التي تعرف بها المحافظة ومتحمل لمرض الذبول ويمتاز الصنف بأنه مبكر بالنضج ويتم تفتح نسبة 90% من الجوز خلا ل القطفة الأولى ولهذا الأمر أهمية كبيرة في محافظة الحسكة لكون القطاف وجمع الكمية الكبرى من المحصول يتم قبل موسم الإمطار، كما يمتاز بنعومة التيلة وطولها ما يجعل القطن المنتج منه مرغوباً في الأسواق الخارجية ومعامل الغزل المحلية التي تمتاز بإنتاج نمر غزل رفيعة.
النتائج والحل
أخيراً ما النتائج التي ستتمخض عن إصابة محصول القطن في الحسكة خلال الموسم الحالي بديدان اللوز؟. الجواب عند رئيس دائرة الإنتاج النباتي في مديرية الزراعة في الحسكة المهندس رجب السلامة. الذي قال: إن ذلك سيؤدي حتماً إلى تدني الإنتاج إلى النصف، حيث يبلغ الإنتاج المقدر من القطن خلال الموسم الحالي 16700 طن، وهذا يعني أن الديدان التهمت 50% من الإنتاج.
وما السبيل الأفضل والأمثل للتخلص من هذه الآفة؟ وحسب إحدى الدراسات نجد أن خير طريقة للمكافحة هي حرق بقايا المحصول في المناطق الموبوءة. وتأكيداً على ذلك روى لنا بعض الفلاحين أن هذه الطريقة طُبِّقَت في محافظة الحسكة في إحدى السنوات، وبشكل إلزامي، فقد كان جمع بقايا المحصول وحرقها في كل حقل قطن يتم بإشراف الجهات المعنية وتحت ناظريها، وكانت النتيجة خلو حقول القطن من ديدان اللوز في المواسم التالية. فهل سيتم اتباع هذه الطريقة في هذا الموسم أيضاً؟. ولاسيما أن المصادر العلمية التي اطلعنا عليها أثناء إعداد هذا التحقيق الصحفي أكدت أنه بعد القضاء على نسب كبيرة من محصول القطن، يتسبب الوباء بموت قطعان الماشية التي ترعى في الحقول المصابة. ولهذا السبب لجأ بعض فلاحي ومزارعي الحسكة إلى أخذ تعهد خطي من أصحاب قطعان الأغنام (الغنـّامة)، يفيد بأن أصحاب الحقول غير مسؤولين عن أي أضرار تصيب الأغنام من جراء رعيها في الحقول.

تشرين